محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )

173

سبل السلام

وورع الصالحين وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع وإلا فهو ورع الموسوسين قلت : ورع الموسوسين قد بوب البخاري فقال : باب من لم ير الوسواس في الشبهات كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون انفلت من انسان ، وكمن ترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حرام أم حلال ولا علامة تدل على ذلك التحريم ، وكمن ترك تناول شئ لخبر ورد فيه متفق على ضعفه ويكون دليل إباحته قويا وتأويله ممتنع أو مستبعد ، والكلام في الحديث متسع وفي هذا كفاية . وقوله إن لكل ملك حمى إخبار عما كانت عليه ملوك العرب وغيرهم ، فإنه كان لكل واحد حمى يحميه من الناس ويمنعهم عن دخوله ، فمن دخله أوقع به العقوبة ومن أراد نجاة نفسه من العقوبة لم يقربه خوفا من الوقوع فيه ، وذكر هذا كضرب المثل للمخاطبين ، ثم أعلمهم أن حماه تعالى : الذي حرمه على العباد . وقوله : ومن وقع في الشبهات إلخ أي من وقع فيها فقد حام حول حمى الحرام فيقرب ويسرع أن يقع فيه . وفيه إرشاد إلى البعد عن ذرائع الحرام وإن كانت محرمة ، فإنه يخاف من الوقوع فيها الوقوع فيه ، فمن احتاط لنفسه لا يقرب الشبهات لئلا يدخل في المعاصي . ثم أخبر صلى الله عليه وسلم منبها مؤكدا بأن في الجسد مضغة وهي القطعة من اللحم ، سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها وأنها مع صغرها عليها مدار صلاح الجسد وفساده ، فإن صلحت صلح وإن فسدت فسد . وفي كلام الغزالي أنه لا يراد بالقلب المضغة إذ هي موجودة للبهائم مدركة بحاسة البصر بل المراد بالقلب لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق . وتلك اللطيفة هي حقيقة الانسان وهي المدركة العارفة من الانسان ، وهو المخاطب والمعاقب والمطالب ، ولهذه اللطيفة علاقة مع القلب الجسماني . وذكر أن جميع الحواس والأعضاء أجناد مسخرة للقلب ، وكذلك الحواس الباطنة في حكم الخدم والأعوان وهو المتصرف فيها والمردد لها ، وقد خلقت مجبولة على طاعة القلب لا تستطيع له خلافا ولا عليه تمردا ، فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت ، وإذا أمر الرجل بالحركة تحركت ، وإذ ا أمر اللسان بالكلام وجزم به تكلم ، وكذا سائر الأعضاء وتسخير الأعضاء والحواس للقلب يشبه - من وجه - تسخير الملائكة لله تعالى ، فإنهم جبلوا على طاعته لا يستطيعون له خلافا ، وإنما يفترقان في شئ وهو أن الملائكة عالمة بطاعتها للرب والأجفان تطيع القلب بالانفتاح والانطباق على سبيل التسخير ، وإنما افتقر القلب إلى الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره إلى الله تعالى وقطع المنازل إلى لقائه فلأجله خلقت القلوب قال الله تعالى : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * وإنما مركبه البدن وزاده العلم وإنما الأسباب التي توصله إلى الزاد وتمكنه من التزود منه هو العمل الصالح ، ثم أطال في هذا المعنى بما يحتمل مجلدة لطيفة ، وإنما أشرنا إلى كلامه ليعلم مقدار الكلام النبوي وأنه بحر قطراته لا تنزف ، وأما كونه محل العقل أو محله الدماغ فليست من مسائل علم الآثار حتى يشتغل بذكرها وذكر الخلاف فيها . 2 - ( وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( ص ) :